ابن قيم الجوزية
594
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ براءة محضة وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ إثبات أن له معبودا يعبده وحده ، وأنتم بريئون من عبادته ، فتضمنت النفي والإثبات ، وطابقت قول إبراهيم إمام الحنفاء 43 : 27 إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي وطابقت قول الفئة الموحدة 18 : 16 وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فانتظمت حقيقة « لا إله إلا اللّه » ولهذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقرنها بسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ في سنة الفجر وسنة المغرب . فإن هذين السورتين سورتا الإخلاص ، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح له إلا بهما ، وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه اللّه عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد ، وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع وَلَمْ يُولَدْ فيكون له أصل وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فيكون له نظير . ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها . فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال ، ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا . فهذا توحيد العلم والاعتقاد . والثاني : توحيد القصد والإرادة وهو : ألا يعبد إلا إياه ، فلا يشرك به في عبادته سواه ، بل يكون وحده هو المعبود . وسورة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ مشتملة على هذا التوحيد . فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له ، فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يفتتح بهما النهار في سنة الفجر ، ويختتمه بهما في سنة المغرب . وفي السنن « أنه كان يوتر بهما » فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار . ومن هنا تخريج جواب المسألة السابعة . وهي : تقديم براءته من معبودهم ، ثم أتبعها ببراءتهم من معبوده فتأمله . وأما المسألة الثامنة . وهي : إثباته هنا بلفظ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ دون